الاربعاء, 29 يوليو, 2009
سأكتب هذه التدوينة و سأنشرها طواعية رغما عن ضيق الوقت، و حلكة المزاج ، و تواتر الزمان التعيس و كراماته البالية. أكتب الآن و الساعة نصب عيني" تُتكتك" و تشير للثانية بتوقيت السنابس ..بعد منتصف الليل. سأكتب و حقيبة السفر عن شمالي مشرعة الحضن تستجدي الخلاص من أطنان الملابس و الأدوية التي حشرتها فيها.. الكاميرا الحبيبة عن يميني، "شوية بيزات*"، كتاب، و قائمة مصغرة لأغراض ربما اقرر حشرها هي الأخرى في الصباح الباكر إن كان ثمة متسع للمزيد!
لا للنوم ليلة السفر!
هو طبعي منذ الطفولة.. يستحيل أن يغمض لي جفن ليلة سفري..
التفكير في البعد عن البحرين يشكل أفكار متواترة لدي.. تعبرني أحداث، وجوه، صور، حب، حزن، تفاصيل مبعثرة، أبيات قصيدة جميلة، و الكثير من التعب.. الجميع يحلم برحلة تقله من البحرين في هذا الوقت بالذات من كل عام.. والغرض الهروب من صيفها بطبيعة الحال.. لكنني أجد في البحرين ضالتي على الدوام.. ببردها، بقيضها، "بطليتها *" الأمر عندي سيان..
ثمة سر تخبأه البحرين.. سر ينبش جوفي كلما قُدر لي أن اسافر.. بعيدا عن ترهات الولاء و الإنتماء للأرض و الوطن و "عين عذاري حلوة..تسبح فيها سلوى"..بغض النظر عن هذه الموروثات التي تندرج تحت المقولة الشهيرة عاش كل بحريني عاش.
البحرين كيان اعشقه و إن كنت سأغادرها غدا لمدة إسبوعين فقط.. ثمة ما يشدني دوما نحو هذه الحبيبة بكل ما تحتويه من هموم و قضايا مضجرة .. تبقى حبيبة.. تبقى أم!
.......................................
كانت الخطة أن أدون عن مايلي.. و لكن كان لابد من هذه المقدمة التي فرضت نفسها و قفزت على السطح.
"روح بلا جسد".. كان عنوان جولتنا التي انطلقت صباح يوم السبت المنصرم.. جولة الرحالة ضمن فعاليات تاء الشباب. هذا البرنامج الصيفي الذي يتربع على الأجندة الثقافية الصيفية لهذا الصيف الحارق و المستعر. (تاء الشباب) بداية جيدة نشهدها اليوم، لا شيء مثالي بالطبع! لكن جاء البرنامح كاسرا و بشكل جزئي القيد التقليدي البليد الذي نحظى به كل صيف.. هو إطلالة جديدة تبث روح شبابية ثقافية منوعة تعطش صيف البحرين لها منذ قرون.
انضممت.. حجزت لي مقعدا ضمن ركب الرحالة الشباب.. و لعل أكثر الأسباب التي دفعتني لذلك هو عنوان الرحلة بحد ذاته "روح بلا جسد".
ادركت منذ البداية أن رحلة لسوق المنامة إلا ما تصوغ حياة، و قصيدة نثرية بداخلي.
تساءلت عن سبب التسمية "روح بلا جسد"، قيل لي: إنه اسم معماري بحت.. هذا ما جاء على لسان مهدي مرشدنا في الرحلة.. و هو بالمناسبة طالب يدرس الهندسة المعمارية....قال مهدي: تأملوا سوق المنامة ريثما تسيرون عابرين ثناياه.. انظروا للأعلى.. ليس ثمة سقف.. السوق مفتوح..ليس من بنيان شديد البنية أو الصلابة.. ليست هناك ملامح واضحة لهذا البناء...
قال هذا و هو يرتفع بنظره نحو السماء، مواصلا سيره و نحن خلفه ببطء نقاوم الحر الشديد.. تعترض نظرة مهدي للسماء قطعة قماش بالية لها عدة ثقوب كان قد وضعها الباعة الآسيويون كظلال لممرات السوق بغية تخفيف الحرارة و حجب ضوء الشمس التي تهلكهم عند الظهيرة.
حقا من يتجول في السوق.."يدرك أن سوق المنامة روح بلا جسد" لكثرة المباني العتيقة المتراصة ببعضها البعض.. لا سقف لها يأويها حر الشمس.. هنا يكمن السر.. أن تسير و تتنفس روح السوق بروائحه الشهيرة.. هنا عطر.. هنا بخور.. هنا بهارات.. هنا قماش..هنا سمبوسة.. و هناك روح!
فتش عن الجسد في سوق المنامة.. ستتوه في النهاية.. لأن البنيان يفتقر الجسد المتكامل.. تراه عشوائي كحبات مطر على ورقة شجر..كل قطره تكابد لتلتحم برفيقتها على نفس الضفة.
في سوق المنامة تقع فريسة للحب..
تحب الرائحة القديمة التي لا زال يحتفظ بها، تحب تعدد الثقافات و الألوان، تحب الحَداد الذي يجاور الخراز، و يأسرك سندويتش الجبن "الصاخن" في ذاك المقهى الشعبي... تتعلق ب"غرشة *" الكندادراي التفاح .. يربكك هذا الجمال البحريني، الذي عاشر ثقافات و شهد تحولات على صعيد اللغة، الأكل، الدين، الرائحة، و حتى الربح و البضاعة.

في السوق يقيم المعبد الهندوسي ، هناك بأحد "الزارنيق*" قريب من سوق الذهب تحديدا..تعبر الزقاق، تقتحم انفك روائح البخور الهندي و تشد انتباهك صور الآلهات الهندوسية الكثيرة.. حتى تدخل المعبد و تباغتك جموع الحمام و طقوس الغناء الهندي قادمة من خلف الجدران، تشعر لوهلة أنك في ضاحية هندية.. و صورة الآلهة "كريشنا" تستقبلك في باحة المعبد....
المكان ذاكرة... تحملك بعيدا فتكتشف عوالم، زوايا شهدت المطر، الحب و الحر !
لكل مكان ذاكرته، رائحته، و جماله الأساسي الذي يكمن بذاكرة الروح التي يخبأها
للمنامة روح يرهقك فقدها.. أو حتى إستيعابها!
هوامش بحرينية:
الطلية*: هي رطوبة الجو و قطراتها المتناثرة هنا و هناك.
بيزات*: نقود
الغرشة*: زجاجة المشروب الغازي.
الزرانيق*: الممرات الضيقة.. الأزقة.
الصور مأخوذة بعدستي و اللعنة على الشاك!:)

الاربعاء, 04 مارس, 2009

بلغ مني التعب مآخذه....نخر قوتي كما ينخر النمل الخشب.. بالكاد حركت جسمي .. إرهاق ثقيل الظل قد انطوى علي ليلة الأربعاء، ليلة نويت حضور المسرحية.. إلا إنني رغم "هيدا و وداك" أبيت إلا أن أحضر خصوصا و أنني فوت العرض الاستهلالي للربيع. ربيع العام يطل علينا بفعاليات ملونة، يربكك تباينها، و كوني آدمية فضولية و متولعة جدا بالثقافة و الفنون أحرص على حضور الفعاليات الثقافية كلما تسنى لي ذلك.. كابرت و ذهبت. "قدام السفارة الليل كان طويل"... الفعالية الأولى التي أقيمت على أرض الصالة الثقافية. رافقني أبي الحبيب إليها و قاد السيارة رأفة بحالي العصيب.
بعد الوطأة الأولى، و اختلاف أولي على موقع الجلوس، استقرينا على طرف علوي من مقاعد الصالة، وقتها بدأت أدون قلبيا، و أكون مسح عابر للمكان..رؤوس كثيرة أمامي و من حولي حضور غفير بالكاد تستوعبه المقاعد، الأنوار خافتة... و قد التحفت جدار المسرح صورة بناية بيضاء تشوبها ضبابية.
دقائق فقط، حتى خمدت الأضواء و الثرثرة...يقطع هذا الصمت قرعة الطبل المدوية.. تعلو بأرقام الحالمين بالفيزا.. الفيزا حياة.. الفيزا أكل و شرب.. الفيزا مأوى و "هوى".. الفيزا حياة!
"قدام السفارة الليل كان طويل"... عمل لبناني بلا منازع.. عمل يطرق القلب اللبناني المتفرع و يوصل آهاته بعيدا... عمل يحمل رسالة واضحة، بسيطة في إيصالها و ربما في تمثيلها، عدا عن كونها عميقة الجذور. عمل (ثيمته) الاساسية الإنتظار المر العقيم.. الأمل المتفرقع..العطش.. الشوق.. الغربة.. الجناحات المهاجرة دون عودة.. النزيف اللامبالي..النزيف الذي يمحي كلام النهار.
عمل يحمل قضية شعب بأسره.. ينقل ألم الهجرة بإطار كوميدي ساخر تتخلله آهات تنبع من القلب. عمل جدير بالتقدير.. للمخرجة القديرة نضال الأشقر و الكاتب عيسى مخلوف.. (نضال) من أخرجت فكرة المسرحية بصورة ذكية و رائعة... عملها يؤثر بمقدار الألم الكبيرفي شخوصه. ثمة أسلوب "فوازيري" عفوي و راقي يشد القلب و يشعرك برغبة في النهوض من المقعد و الرقص على الجراحات و على وقع الطبول و أنين العود.
و لكن...كان لي بضعة مآخذ صريحة من وجهة نظري "كمشاهدة" فحسب... سأبدأ بما ..
لم أحب:
-
الخلفيات المستخدمة.. لم توفق نضال في هذا الإختيار.. الخلفيات كانت خاوية إلى حد ما، و تسلب الكيان المسرحي هيبته..فكان طير غريب.. شجرة الباباي.. و "قبقب" متحرك، و سمكة فارة، و سلحفاة عجوز... بدت تلك الرسومات اصطناعية.. مركبة جدا..فاقدة للأحترافية..و لم أدرك الفحوى من وجودها رغم إمكانية الإستغناء عنها و استبدالها ببضعة مؤثرات ظلالية.. ضوئية..أو أعلام ربما!
-
التكرار... الذي يصب في الفكرة نفسها... الرسائل كانت تصل لقلبي و أتأثر.. لكن سرعان ما تكرر الجمل و و تعاد بعض الأفكار و العبارات ما يسلبني الجو مرة أخرى.. "نيويورك.. أنا بدى روح ع نيويورك.. هونيك الناس بيمشوا ع الظولارات مشي..."كررت مرارا.. الامر الذي يقصف لذة العرض... و يرخي بعض خيوط التشويق...أضف...عبارة"بحب النسوان..ياعمي شو بحبن"... تكررت كثيرا ما أفحم مغزاها بالملل.
-
إنخفاض الصوت كمشكلة تقنية!
أحببت:
-
صوت الوجع من قلب ليلى.. و الحب المتعثر في بلاد المهجركان يحمل وحده صورة تفيد بأن الحب الحقيقي لا يولد إلا في لبنان.
-
مرارة الهجرة.. و كيف لهذا العالم الرحب أن يضيق في عين المهاجر عن وطنه.
-
الأحلام اليائسة التي لا تلتقي بالواقع. و الحلم اللبناني بهدوء و عيش كريم يتحقق تحت الجبل و الشلال "البلدياتي".
-
بلد الطوائف..و" الطمغة" التي يتأصل مفعولها أبد الآبدين، بلد شاء أهله أن تحكمه قدسية الطوائف كدثار و كحماية، بلد يخونه التعبير من حين إلى حين فيتفق على الإختلاف مراراً. دماره يسكب دمارا بالروح.
-
صرخة الهجرة و ارباك الغربة، الهروب..تجلى بوضح في الرقصات و فوضى الأحتجاجات، الخوف و الوقوف مجددا، و حتى بالرقصات العفوية الطبيعية الساذجة أحيانا و إدخال فن الراب الغربي كتعبير يظهر الإزدواجية المتكونة بفعل الغربة.
-
لباس الممثلين لأنه واقعي جدا و كأنه يخفي عبرة ما، ملون جدا بتلون لبنان الطوائف.. فوضوي كفوضى بيروتية مرتبكة.
-
مشهد الهجرة للخليج ...كان مقطع " كوميداياني" حد الموت.. لأن الرقصة الخليجية لم تؤدى بمثالية ما جعلها مضحكة جدا.. تعكس أن اللبناني يكابد ليتكيف مع هَم الهجرة.
-
الغناء المجرد من الموسيقى .. تداخل الجمل و ارتطامها ببعضها.. تداخل الرسائل المهاجرة.. و الكلمات العابرة.
ضحكت و صفقت من قلبي مرارا.. لان الصيغة المطروحة كانت ساخرة ، و سرها بأنها مسكونة بوجع لبنان و بجرح لبنان الذي لا يندمل.. بجسد لبنان الجامح.. و عقله المهاجر حيث حلم متيقض باليأس!
بل السر في كونها مضحكة مبكية.. تضحكك ثم تبكيك تأنيباً لفداحة واقع الهجرة.. نضال برعت هنا في تصوير قساوة المهجر و جفافه على الجسد اللبناني..
هذي المسرحية ساعدتني على فهم طعم الغربة اللبنانبة التي لا تشبه أيما غربة.. أدركت قساوة أن تتناول "تبولة و كبة" نية خارج أسوار بيروت..أدركت وجع اللبناني المترنح في آخر الصف، أدركت حلم الحب المغترب.. تحقق ذلك عبر العفوية الطاغية على أجواء المسرحية.
"مدري شو سره هالبلاد؟... مدري مدري شو سره ؟..."
كانت أغنية الخاتمة.. التي ترجمت "بلادي و إن جارت على عزيزة..."..
كيفما تنكر لك الوطن تقدس ترابه.. و لا مجال للمزايدة.
ربيع حافل بالأبداع.. ربيع أعشق أوراقه

السبت, 08 نوفمبر, 2008

كان كلما وقع نظري على مقالة تتحدث عن (حوام) أشحت به منتظرة أن أقرأ الرواية بنفسي قبل تنفس ردود الأفعال و التحليلات المكتوبة هنا و هناك..دون عن حوام كل من الاشقاء: سعاد الخواجة، حسين عبد علي، مهدي سلمان و آخرون.. لكنني تجنبت القراءة حتى حطت حوام بيدي و حلقت و إياها حيث الفتنة، الغواية، الحب، سيرة الجمال و رائحة الحمام. مقررة بذلك أن أتبع الرواية بقراءة المقالات المكتوبة في حوام.

فتنة...
حوام التي كتبها محروسنا ما بين فبراير 2007 و فبراير 2008 تقع مابين مائتي و ستة عشر صفحة.. يدفئها غلاف نابع من ضوء و ظلال حسين محروس، بإلتقاطته الموفقة لمريم التي تخطو وصولا لسطح بيت الحجي سلمان" الكراني" حافية القدمين، واثقة تكاد تبصر جمالها من قدميها و خلخاليها المنسدلين على كعبيها، تصعد برفق كما الحمام عتبات بحرينية طينية متهشمة، تتشح ب(مشمر) برتقالي يداعب بياض رجليها، له أطراف غير متساوية قد اتخذت شكلا إنسيابيا دائريا حولها . حوام من تلفحك بهواها و تشعرك بالريح التي تدغدغ رجليها و هي في صعود..
اتممت الرواية خلال يوم واحد أو ربما أقل.. كتبها حسين محروس بلغة سلسة جدا ، بالغة القرب من القلب،تقرأها و تنبض و إياها كل حواسك. لكنني سرعان ما وقعت في فخاخ المقارنة ما بينها و بين الرواية السابقة لمحروس (قندة) و التي كنت قد قرأتها قبيل شهورٍ من الآن.. إذ إنني شعرت بأن ثمة ما يقبع مابين التشابه أو التكرار إن صح التعبير في بعض الجوانب الأدبية من (حوام) سيما اللغة المستعملة حتى و إن قنن محروس هاهنا من تقنية التعشيق بالألفاظ المحلية (العامية) و التعبيرات الشعرية المجازية التي دأب على التغني بها بين طيات قندة. التشابه أيضا قد يكمن في أن محروس كتب هذه المرة عن قصة بحرينية ،منشأها بيت بحريني قروي أبطالها، شخوصها بحرينيون بإمتياز، إن كانوا بشرا أو حماما! تماما كقندة التي جرت أحداثها في " قرية النعيم".. ما يقوقع الروايتين بإطار ذاتية المكان.

محروسيات...
لكل روائي ثمة صبغة خاصة به، تميز لغته عن الآخرين و هذا ما تشعر به حتما حين تقرأ حسين محروس القادر على صياغة العبارات بسيطة، معقدة في آن واحد، يعقدها العمق الذي يسكنها..، "المسافة جوع..المسافة رغبة..المسافة عشق.. المسافة أيضا أنت"... ناهيك عن تكوينها الذي تتخلله جمل بحرينية بحتة و مضحكة جدا كأن يقول" وصلاة أمي و أبوي".. إلى جانب إدخال بعض الموروثات الشعبية البحرينية و الاغاني القديمة التي تكاد تنقرض، هذا إذا ما إنقرضت أصلا "نصايف الليل... الناس عني لي غفت في وهدة الليل ... نصايف الليل..هلا ..هلا".
هي الصبغة (المحروسية) التي يتفرد بها و يفرضها على القارئ "بحب"..حسين هذا الذي تملك قلبه قرى البحرين، و أهل البحرين و تفاصيلها بطغيان كبير.. و تلتمس هذا في أروقة ما كتب و ما يكتب على الدوام، البحرين تسكن عدسة حسين، الوجوه النابضة بصوره، الحياة التي تذب بكلماته كلها بحرينية.
جدل...
بالرجوع لقندة مجددا و التي لا أنفك أقارن بينها و حوام..أحيانا أشعر بأن حوام تشكل تتمة غير مباشرة لقندة التي دارت حول الجهل بهندسة الجسد الأنثوي و هو ما تلاشى جدا في حوام، بل و بلغ أقصى أقصاه هاهنا. حيث أن حوام مشبعة لحد كبير بالرغبة و تفاصيل تفاصيل الجسد، محروس أعطى كل نزوة من نزوات مريم حقها بزيادة بلغت حد الإنغماس، هو إبتعد أميالا طويلة في الحديث عن الرغبة، و أسهب فيها مطولا و صور كل شخوص الرواية بأنها تلهث خلف أهوائها و غرائزها و تبحث عن التوزيع الصحيح.. و أنه لابد من تلك الحتمية التي تقتضي ضرورة تبديل الأماكن لترفرف الأجنحة و يتناثر الريش!
حوام تضخ من قرية كرانة البحرينية القديمة، الأمر الذي قد يولد علامات إستفهام للقارئ العربي الذي يقع بالجانب الآخر من الخريطة. أنا البحرينية اجد متعة في قراءة الروايات البحرينية التي تتفتق عن (حوش) البيت البحريني و أروقة
(الفرجان)، لكن الأخير قد يشعر "بتيه" في هذا الجانب.
ثمة شيء آخر أثار تساؤلي و هو عامل (الزمن) بالرواية.. و كيف إن محروس قد مزج مابين الأزمنة مستشهدا بحقبة (لسناحات) (و الزري) و مرايا العرس البحريني المطرزة بالرمان و الطواويس، ختان الإناث، معرجا على إنفلونزا الطيور، و ثورة الخميني و الإعتقالات العشوائية. كلها عنوانين تقع بين سنوات متباينة. رغم إنني أؤومن بأنه تعمد ذلك و بأن هذا ليس ناتجا عن غفلة منه لكن التبرير يقع بفكر المحروس وحده.

سحر مريم...
عجيب امرها..و لا يختلف إثنان على كونها خائنة، عاهرة، لعوب، "حوامة"، لكنني أقر بأنني لم أستطع كرهها و إن جاءت خارقة للأعراف و التقاليد البحرينية، هنا و بالتحديد يكمن إبداع محروس لأنه لم يحملنا على كره مريم الخائنة، لعله جمالها الذي أجاد رسمه و التفنن به بين سطور الروايه، لعله" مشمرها" الآسر، لعلها خبثها، كيدها، حسنها، قوة شخصيتها، حوام يا جماعة: " حبة القلب، وجه الصباح، تجلس بجوارها فلا تشعر بعطش و لا جوع"..لا أعرف؟.. سوى أنك إلا ما تحبها.
مريم آخاذة لأنها "على وشك من أي شيء"!!
هديل...
أكثر ما أحببت ب (حوام).. المفهوم الإبداعي الذي زرعه محروس بداخلي حول الحمام، أجزم بإبداعه في هذا المجال على وجه الخصوص، هو يستطيع و بجدارة أن يبتدع مفاهيم جديدة ليست على البال و لا على الخاطر.. محروس هو من صور القند نساء.. فصار القند غير القند، و الشاي بالقند (غير شكل). و هو أيضا من خلق مفهوم أن الحمام (نسوان).. قائلا مرارا على لسان زكريا: (الحمام نسوان يا جماعة)!
عشق...
و الحق يقال..
بعد قراءة حوام محروس.. لم أعد أرى الحمام المتكأ على (برندة) بيت جدي بقدر ما صرت أبصره اليوم..بمعنى أبصره.... قبلا لم يلفت حماما نظري البتة، لكنني اليوم ما أن تستوقفني حمامة أتقرب إليها بهدوء أنظر بعينيها، روحها و أضحك!!
محروس.. ولد عندي فضول بإقتحام أقفاص الحمام و فهم نظريات محروس تجاههم..و لأنني بت أدرك اليوم بأن بكل قفص حمام ترفرف (مريم)!

رواية حوام....تحوم حول الجسد..الروح.. العشق.. الشهوة....حوام كلها مريم، و مريم كلها حمام!
تحوم حول الأمكنة.. تجوب الأروقة..تنثر الريش.. لتحط في المكان الصحيح الذي أبى له محروس أن يتحقق..
"حوام" رواية جميلة، لمبدع بحريني، سجلت وجهة نظري المتواضعة فيها، حللتها برأيي الخجول و بحثت عن المفترق فيها، بحثت عن مراد و هدف حسين محروس من خلالها.. ..وولدت عندي سؤالات شتى و إبتسامات، صور قروية مازالت تحوم بداخلي..
مفترق...
تساؤلي الأساسي كان فيما يتعلق بعبرة الرواية.. الأمر الذي قد لا يتفق الكثيرين و إياي فيه بأن لاضرورة من إقحام العبرة..كمفهوم كلاسيكي و قديم للرواية، لكن ما أرمي إليه هاهنا ليس كون العبرة بأن تأت مملة رتيبة كأن ينتصر الخير على الشر، و تنار الاضواء و يمسك العريس بيد عروسه و يعيشون في ثبات و نبات و يتوب الخلق توبة نصوحة..ليس القصد أن تأت النهاية نبيلة أو دنيئة..قطعا لا.. الرواية.. وأي رواية إلا ما تحمل عبرة ذائبة فيها تماما كما السكر الغائب في الشاي.. في حوام أرهقتني مسألة التفكير في غاية أولى من الرواية.
هو رأيي..ليس إلا..و أرجو بأن لا يعكس هذا الرأي فكرة مفادها بأنني أحاكم المحروس في منهجية تفكيره و مستوى تدينه..فأنني لست من يقيم المحروس على هذا الأساس !
المحروس تحرك بحرية عبر أوراقه و تعمق بعنف في الجسد، ما يجعل روايته محط نقد مجتمعي، ديني، توجهي، قيمي.. قد يتخذه البعض محورا أساسيا للإنتقاد و يجعل منه أداة نقدية في تحليل الرواية، وهو ما لا ألجأ إليه عند تكوين نظرة تجاه أي رواية كانت.
مطر...
للمحروس تحايا النهار.... و فصل شغف لمفهوم جديد يحمله إلينا مجنون "كإياك"

لقراءة ما كُتب في حوام إنقروا هنا:
سعاد الخواجة بهذيانها:
الفنان حسين عبدعلي:
جريدة الوقت... حسام أبو اصبع:
جريدة الوسط... علي نجيب:

الاحد, 06 يوليو, 2008

الساعة الآن تشير إلى العاشرة10:00 مساءً.." بل بدأت نور، ويش فيش تمشين علعدال؟ يالله بسرعة"
"إحنا لازم نرجع البيت أحين ....لا تفوتنا الحلقة" ... يالله اشخطي السيارة ...اشخطي..!
عبارة أسمعها كل ليلة تقريبا من أختي التي تستعجلني في الرجوع للمنزل قبيل العاشرة مساء لأجل أن تشهد كل حلقة من مسلسل نور. لدرجة أنني تخيلت نفسي محلقة بطائرة (هوليكبتر) ، و كأنما أأخذ بها جولة على البيوت البحرينية المقتلعة الأسقف كما بدت في حلم اليقظة ، لأجل أن أرصد كم المشاهدة البحرينية لمسلسل نور. مؤكد أن الجميع يحتشد أمام شاشات التلفزة مشاهدا نور بهوس و متابعا كل تفاصيلها إن كان الأب نفسه ، الأم و الأبناء و حتى الجدات يا جماعة" والله حتى الجدات!" متابعين بشغف مهند الذي يدللها بفيض من الرومانسية الشحيحة بعالمنا العربي. رومانسية تفتقر إليها النساء المسكينات بمجتمعاتنا القاسية، حيث إن ثلاث من كل عشر نساء بالعالم العربي يدللهن أزواجهن هذا طبعا إستنادا لدراسات المركز السنابسي للدراسات و البحوث و الآثار الهيروغليفية.
ياجماعة.. ماذا فعلت بنا نور.. أنا نفسي إنتقدت المسلسل بداية و ظننت إنه سخيف و لا يستحق المشاهدة، و لكن بعد حلقة و إثنتين متتاليتين وجدت نفسي ممن يشاهدن مسلسل نور. و فعلا أسعى لشراء أو تحضير العشاء قبل العاشرة مساء حتى نستمتع بمشاهدة نور ريثما نتناول وجبة العشاء. بدأت أتسائل فعلا عن الحمى التي ألحقها بنا هذا المسلسل، هل هو هروب من الملل و الحياة الرتيبة؟ أم هو مخرج من سيناريوهات الدرامة العربية التي تحاكينا بلغة المخدرات و(الصياح و النياح و الكفوف و الطراقات و البكوس)؟ أم أن نور و مهند ثنائي جميل يجذب الناظرين و يجعل القلوب تهوي خيالا بهما؟ أم لأن الطبيعة التركية و مناظرها الخلابة، طريقة التصوير، التقنيات المستعملة فيه و الألوان التي تريح الأعين هي أحد الأسباب التي تفسر هذا الولع بالمسلسل؟ و لا ننسى سحر عيناه و شهامته التي لاجدال فيها، ربما تكون هي الأخرى أسباب مهمة، قد يكون مهند جميل حقا لكنه برأيي لا يمتلك معايير الوسامة و الرجولة والجاذبية العربية بمجتمعنا الشرقي و التي تنص على أن الرجل العربي لا يمك أن يك وسيما إن كان ناصع البياض ذو وجه "حليبي" إن صح التعبير، شديد النعومة و الصفاء، و لكن من سألتهن عن سبب إعجابهن بمهند قلن لي: نحن نفتقر للشعر الأشقر و العيون الزرقاء بعالمنا، فهو على الأغلب ما يولد لدى نساؤنا الهوس بمهند التركي! حتى إنني سمعت بأذني إقرار من رجال أن مهند وسيم، آه ه ه تخيلوا!! يعني الأخ مسيطر على (الأكو و الماكو)! و قد سحر عقول الملايين من نسواننا و رجالنا!
و لا نغفل أحبتي عن القصص و التبعات الدراماتيكية التي حدثت و تحدث كتأثيرات وليدة لهذا المسلسل التركي، قرأت أشياء غريبة فعلا ، على قدر ماهي تافهة إلا أنها مضحكة فعلا، و تحضرني الأن قصة الفتاة الجامعية (نور) التي تقدم شاب لخطبتها اسمه (محمد) فإشترطت عليه أن يغير اسمه إلى مهند!!! و هذه القصة بحرينية كما سمعت و العهدة على القائل.. بس( الصراحة ويش ها التفاهة العالية الجودة؟ يعني ويشصاير؟،)، ناهيك عن الكتابات التي نُشرت بصحفنا كالأيام و الوقت و ملحق صدى الأسبوع بجريدة الأيام نفسها، و المجلات العربية الأخرى، و سيل الإيميلات التي تتحاذف علينا عن نور و حبيبها مهند، حيث نزلت مقالات تخبرنا عن ظاهرة المسلسلات التركية و تبعاتها و ماذا سيحدث بعدها و أين سنكون بعد إنتهاء نور! و غيرها من تكهنات بما سيحدث من تطورات بالقصة و ما هو مصير نور و مهند؟
يا جماعة والله أشعر بأن الموضوع قد أعطي أكبر بكبير من حجمه، و بدأت أتململ من السالفة، أحنا مساكين نعيش حالة من التشرذم و الضياع، متخبطين بحياتنا ،ينهشنا غلاء الأسعار و السياسات العربية و المحلية المتفذلكة، و أحوالنا العربية الباعثة على الشفقة فنهرب كلنا نحو نور ،و كأنها درب الخلاص الذي سينتشلنا من عرصة الهم الذي يفيق و إيانا كل صباح.. نتعلق بنور و بمهند ، بشجاراتهم و بحبهم ، بلبسهم، بقصات شعرهم، بطبيعتهم، بتفاصيلهم الغبية على مدى ساعة من الزمن كل ليلة ، كل ليلة هروبا من همومنا و مشاكلنا التي لا تنفك تتضخم و تتفتح عنها أبوابا كبيرة.
و السؤال الآن موجه لكم يا نساء: "من يكره مهند؟" ،و الجوائز تباعا، رغم إنني أقر بأنني لست بارعة بهذه المهمة التي غالبا ما برع بها الحليف الكسيف الغائب الحاضر، و إن في القلب آهات على غيابك يا شقيق ، لكن اسمح لي هذه المرة فقد حاولت جاهدة أن أتقمص دورك في هذه المهمة و أحدد الجوائز ... عموما يا شابات من تكره مهند تخسر (تخفق) من هذه الجوائز:
1-فانيلة موقعة من بطل مسلسل نور.. الأشقراني مهند
2-موسدة (مخدة) مهند يعني ..ههههه
3-مشط مهند و فيه (فلاف) شعرات شقران و يمكن أربع بعد
4-(جفة) رمل من زراعة بيت مهند
5-التاير (المبنجر) لسيارة مهند
6- (غرشة) ماي من البحر المحيط بالقصر الذي يسكن فيه مهند
7- (سبانة) مهند..ههههه
و ماذا بعد نور............... يا عرب؟
يا ربي دخيييييييييلكم .... والله ما بعرف؟

الخميس, 08 مايو, 2008

"الجسد العاري حساس بالنسبة للانسان العربي، الجسد شيء عظيم، لكننا، في منطقتنا العربية، تعلمنا ان نلغيه". "يفرض على المرأة ان تغطي نفسها وتتحرك بطريقة آلية، الا انه يجب ان يكون هناك توازن بين الجسد والروح والعقل، اذا كان جسدنا معاقا لن نستطيع تطوير تفكيرنا لأن عقلنا سيكون معاقا ايضا".
"انا جسدي غال ونبيل، وقد استخدمته من اجل قضية نبيلة، فالحرب والقتل في فلسطين والعراق كانا فوق الاحتمال".
هذا ما جاء حرفيا على لسان الفنانة التشكيلية السورية هالة الفيصل. مؤكد إنها ليست مرتكم الأولى التي تقرأون أو تسمعون فيها عن هالة الفيصل، كتب عنها الكثير عبر صفحات الإنترنت و عبر أروقة الصحافة، حقيقة لا أعرف ماهية شعوركم تجاهها و إنطباعاتكم عن ما تقدم من فن، أجهل آرائكم عن نهجها اللا مألوف في عالمنا العربي، كونها تنحدر من أصول عربية سورية و تحمل الجنسية الأمريكية. عني، شخصيا إستفزتني منهجيتها و الطريقة الغريبة التي تحاول عبرها إيصال صوتها و طبيعة شخبطاتها الفنية ، أستطيع أن أختصر رؤيتها في في إيمانها المطلق بأن جسد الإنسان لا يستهان به، و بأنه واقع ملموس و جميل ، تستغله في التعبير عن قساوة الحياة وويلات الحروب، و تعبر عبر الجسد العاري عن رفضها لشتى صنوف الحرب و التعذيب، " رسم الجسد الانساني العاري يأتي "كنوع من الاحتجاج ايضا" معتبرة ان قمع الجسد في تربيتنا ولد امراضا نفسية كبيرة، و هي تخرج ذلك في اللوحة. و إنطلاقا من ذلك وقفت الفيصل يوما ما بساحة سكوير بارك بنيويورك عام 2005 عارية تماما ،و قد خط على جسدها عبارات كأوقفوا الحرب أو (stop war)! مناهضة بذلك للحرب على العراق و فلسطين، تقول الفيصل: "طريقتي في الاحتجاج في نيويورك هي امتداد لأهمية الجسد في اعمالي، وليس العكس"، وذلك في اشارة منها الى رفضها التعليقات التي اعتبرت انها "تروّج" لنفسها عندما قامت بالتعري ما اثار ضجة كبيرة. هذا الخبر قديم طبعا- و لكن ما جدد سيرة هالة الفيصل هو استفزازياتها التي لا تنفك تكتمل، و لأنني من فترة وجيزة قرأت في صحفنا المحلية عن إقامتها لمعرض، عرضت فيه أعمالها التي ترتسم فيها أجساد عارية ، تتصدرها النساء .و عن جانب الجسد تضيف الفيصل:" إن بعض الرموز واشكال لحيوانات تجعل اللوحة تقارب التصويرات الهيروغليفية". و تدعي إنها حولت المرأة لتكون شبيهة بالاسطورة، عبر مزيج من الروحانيات والالوان الجدارية، هي اقرب للانسان القديم عندما لم يكن مفهوم العيب والعورة والشرف موجودا. و أما عن لوحاتها ففي لوحة "الولادة" تظهر المرأة عارية محاطة بأناس بملابس متانقة. وعن لوحة "المرأة والضابط" تظهر المراة عارية الى جانب الرجل بملابس الشرطة، وتعلق الفنانة السورية على اللوحة "الضابط يعتقد ان سلطته تمكنه من استباحة كل شيء".
و الجدير بالذكر إن هالة تأسف لحال طلاب كلية الفنون الجميلة في دمشق، التي تخرجت منها سنة 1983. وتقول "رغم إن رسم الجسد العاري اساسي في الفن،إلا إنه لا يسمح للطلاب برسم نساء عاريات في الكلية".
آخر الغيث: هالة الفيصل، لك خطابي هذا، الإختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية، كذا قالوا منذ زمن و أنا آمنت بهذه المقولة، لك طريقة (فنتازية) جدا في التعبير عن رأيك، (تفضفضين) عما يختلجك من مشاعر، بأسلوب تعبيري غريب و جريء بجرعة زائدة، و لكن سؤالي الأهم:
(أوقفوا الحرب) على الأجزاء الأكثر حساسية من جسدك العاري،،
برأيك هل ستخلق السلام الذي ترجوه الأمة العربية؟
غيرك، ملايين كتبوها على أوراقهم البيضاء و تظاهروا حتى تجرحت حناجرهم، و آخرين آثروا التظاهر بصمت و بغلق أفواههم تعبيرا عن الظلم و المأساة حتى تقرحت بواطنهم من وطأة الهم ... منهم مات و منهم مايزال يكابد
صحيح إن التظاهرات و الإعتصامات تأتي على صور متعددة، و أغلبها لا يجد نفعا و بالأخص لدينا في الداخل العربي، و لكن تبقى هالة الفيصل التظاهرة الأكثر جنونا. فتجشم عناء التعري وسط حشد الملايين لن و لم يجد هو الآخر، سوى بث شعور (لا مريح) و بعيد كل البعد عن خواطرنا و عروبتنا.. نحن العرب مهما ذبنا في الليبرالية، و مهما تشكلنا هنا أو هناك ،تجمعنا ثوابت عتيقة الطراز و جميلة لا نختلف عليها (لو مهما صار) كقدسية جسدنا مثلا، و لكنني وجدتك تحطيم للقاعدة السائدة و أرهقتني حقا. أنت لست الحالة الأولى لغرائب الإحتجاجات حول العالم، قرأت عن أناس إفترشوا الأرض عراة و منهم من راح يجري عاريا وسط الشوراع الأوروبية، منهم من تعلق بشجرة و ربط نفسه بها، آخر يضرب عن الطعام، و غيره قد يلجأ للعنف، تتوالى الطرق و تكبر الأحلام و مصيرنا مجهول. و ما إعتصاماتنا إلا تنفيس عن الأوجاع، و قطرات نرتشف منها بعض أمل قد ينهب هو الآخر في نهاية أي إعتصام، به قد يعلو صوتنا أو قد يدوي صمتنا ، و للأسئلة أن تتوالى ......
تحية
ملاذ!!

السبت, 26 ابريل, 2008


روي لي الكثير عن هذا الكتاب ، حتى جاء اليوم الذي اشتريته فيه من معرض الكتاب المنصرم، أذكر إنني فتشت طويلا عنه بين دور النشر المشاركة، حتى وجدته أخيرا لدى دار الصفوة اللبنانية، ما إن وصلت للدار و طلبته من الرجل البائع ، كان يقف إلى جانبي رجل دين، سمعني حينها و إلتفت إلي و إبتسم إبتسامة حاول عبرها أن يبين لي سعادته بشرائي هذا الكتاب . و على الرغم من أن قراءاتي الدينية خجولة جدا، إلا إنه عندما خبروني عن كتاب (سياحة في الغرب) - أومصير الأرواح بعد الموت، لآية الله السيد محمد حسين النجفي القوجاني، حينها توجهت فعليا لإقتناءه..كما قيل لي بأن له تأثير كبير على طهارة الروح، و القرب من الله عز و جل، و بأنه يدفع قارئه للتفكر و التأمل في أمور شتى كأسلوب حياته ،بعده عن الله، غفلته و لا مبالاته و أين تأخذه خلجات نفسه و سواليف لسانه و حكايا قلبه، و زلاته التي لا تهدئ إلى أن تغادر الروح إلى بارئها، و ماهي الإنعكاسات التي تتجلى بعالم البرزخ: و هو ما يعرف بالحياة المفصلية بين القبر و الآخرة. يأخذك الكتاب إلى حيث لا تريد، نعم لا تريد! بطبيعة الحال الأعم الأغلب منا يتجنب الحديث عن الموت و القبر، بل ننفي الفكرة و كأنها بعيدة عنا، رغم علمنا، و تصديقنا بواقعيتها و محتوميتها و إن إختلفت أدياننا ، و توجهاتنا و حتى معتقداتنا . (سياحة في الغرب) يحمل روحك حيث أروقة الموت. ببساطة : يعطيك الصورة الشفافة عن ظلمة القبر، وحشته و ظغطته، يخبرك الكاتب فيه عن المصير الذي تؤول إليه روحك بعد الموت، عن اليوم الذي تُودع فيه بحفرة مظلمة ،يراق عليك التراب، وتناديهم " أهلي أحبتي أنا أنا... فلا من مجيب، يومها ينساك الأحبة ، يجاورك الموتى و تؤنسك قوارض الأرض و ديدانها، هناك عندما لا ينفع مال و لا ولد إلا العمل الصالح.
توسدت ظهر سريري و شرعت في قراءة الكتاب و كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل .ما لمسته منذ الوهلة الأولى إن أسلوب الكاتب كان جد بسيط و سلس، علما بأن ما قرأته كان الترجمة عن الأصل الذي كتب باللغة الفارسية و لكن المترجم : جعفر صادق الخليلي تمسك عبر ترجمته بالأسلوب الأم للكاتب الأساسي، يحكي فيه بأسلوب سردي قصصي جميل و قريب من القلب و غير متكلف في آن واحد و إن يكن يفتقر لمقومات القصة الحديثة و عناصرها الفوضوية التي تمتاز بالحبكة . أظن إن لكل المستويات الفكرية أن تفهمه، و أشعر بأنه تعمد ذلك لإحساسه بماهية هذا الكتاب و لإيمانه المطلق بأهداف هذا الكتاب، شخوصه ، أمكنته، أزمنته، و الأرواح التي تتجول فيه، و لأنه كان يطمح لأن يقرأه أكبر قدر ممكن من الناس. قرأت وصولا للمقطع الذي يقول فيه كاتبه السيد القوجاني: " إن أحدا لم يسمعني، و كأنهم لا يروني و لا يسمعون صوتي، كنت أحدق بعيني في جانبها الأيسر العاري و بعد غسل جنازتي اتجهوا بها نحو المقابر و كنت مع المشيعين الذين أرعبني أن أرى بينهم حيوانات وحشية مفترسة من كل نوع، أنزلوا الجنازة بالقبر و كنت واقف في القبر أتفرج،(...).أغلقوا القبر و تركوني في ذلك المكان الضيق و المظلم حتى أهلي و أبنائي و زرجتي غادروني و نسوا صنعي لأجلهم..."
. حينها إرتعدت خوفا، و ألقيت بالكتاب جانبا، و ما كان مني إلا أن ألوذ بملائتي الخفيفة، مغطية بها جسدي من قمة رأسي حتى الناحل من أطرافي، محاولة بذلك الهروب من وقع كلمات هذا الكتاب و لأتناسى قليلا أجواءه المرعبة، علني أنبذ الصورالتي نسجها الكاتب، عل النوم يسرقني من أحداث الكتاب، و لكنني فشلت بذلك، لم أتمكن النوم، ربما كان لتوقيت قراءة الكتاب دورا بذلك أيضا، فعلا تأثرت و انهمرت دموعي و انقلب الوضع إلى تراجيدي محزن، لم أستفد من الملاءة و لا من إطباق جفناي بشدة . أخذتني الرجفة و استوطنني خوف شديد.
الكتاب ببساطة اعتبرته (ويك آب كول) ، تذكرت عبره الكثير و جعلني التفت لبعض الأمور االتي أتناساها دائما. أسلفت بأنني لست من هواة الكتب الدينية عامة، و لكن بإعتقادي إن لا ضير من التنوع بالقراءة و التعدد فيها بين الكتب الدينية، الثقافية، الأدبية سواء حملت فكرا ماركسيا، علمانيا، دينيا: مسيحيا كان، إسلاميا أو يهوديا..لا يهم.. كلها بنهاية المطاف إثراء روحي، ثقافي، أدبي، إيماني إلا ما يزرع شيئا بالفرد و يخلق به صحوة على صعيد خاص. و لأكن أكثر صراحة لا أحب دور الداعية الدينية بتاتا ولا أهدف عبر إخباركم بالكتاب للترويج لفكر خاص، أو معتقد معين، أو قراءات معينة، و لا أدعوكم لإعادة صياغة ذواتكم -(سياحة في الغرب) يتناول صور لابد من معرفتها قبل فوات الأوان و أنصحكم عند قرائته بالتركيز على ( الثيمة) الأساسية للكتاب عوضا عن فرعياته الخاصة بمذهب دون آخر.
يقول المترجم "إن الميزة المهمة التي يمتاز بها الكتاب على (الكوميديا الإلهية) لدانتي الإيطالي و أشباهها هي أن مؤلف سياحة في الغرب قد إعتمد كلام الله و أحاديث الرسول (ص) و أهل البيت (ع) بما لا يدع مجالا للشك في صحة ما ورد عن عالم ما بعد الموت. قال تعالى: ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)..
أظن إته كتاب يستحق القراءة، صفحاته قليلة يقرأ خلال يوم واحد أو ربما لا يستغرق أكثر من ساعات فقط، يجيب عن أسئلة عالقة بأذهاننا، و إن كانت به ثمة نقاط لي إعتراض عليها ،إلا إنه يمثل تجربة جميلة بالنسبة لي . وأخيرا جل ما أتمناه منكم عبر قراءة الكتاب إن رغبتم بذلك طبعا ، الإلتفات للجانب المهمل تماما عند أغلبنا و بالأخص لدينا نحن الشباب، الجانب الروحي و العرفان بحياة القبر الحتمية علي و عليكم.
القليل . القليل جدا فقط.. كفيل بخلق طهارة روح ،و سلام للنفس التي نظلمها كل يوم...

(إلهي إرحمني صريعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، و تحنن علي ممدوداً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، أبكي... و مالي لا أبكي .. أبكي لخروجي من قبري ..عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني و أخرى عن شمالي ، إذ الخلائق في شأن غير شأني ، وجوه يوم إذ مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يوم إذ عليها غبرة ترهقها قترة و ذلة..)..... مقطع من دعاء أبي حمزة الثمالي..
<<الصفحة الرئيسية