حشود بشرية أغلبها حانق و بعضها يغط في سخرية الهم ..نساء واقفات في الصف الخلفي من المصعد يخفين ابتسامة أو صلاة مؤجلة، مثقلات بالخوف و ب(دِلال) الشاي، القهوة و سلال حلوى اتخذت المرض سبيلا سهلا وعرجت على أروقة الموت. أخريات يحملن زهور غير واضحة الحب ضاق ذرعها من رائحة المشفى الذي لا يُقدم إلا الأرق و وجبات العشاء المبكرة، طعمها زائف مصاب بالارتياب.
كنت طيفا عابرا، يشق سبيله نحو الجناح الذي يرقد فيه الجد منذ أسبوعين و أكثر. جسد البحر و الخشب آخذ في النحول..هو المرض هادئ، دقيق جدا يطحن عظام الأرض لفرط هدوئه.. مطلق الأهلية، يندس بين الأيام ليقتحم البحر ممتصا شمسه التي أودعها جدي عشية حُب... يا لبشاعتك يا مرض تستل سيفك بروية نحو أصابع جدي، تمتص حكايا الخشب و الموج في جسده القدسي و حضنه المبجل بالنور.
عبرت ديار الموت وصولا لغرفة جدي بآخر الرواق..الطابق الخامس، سرير رقم (11)..حسب الورقة المرفقة على لائحة المرض.. مشيت و كان السرير الأخير بالغرفة، محاذيا للنافذة الكبيرة.. سحبت كرسيا متهالكا برفق و جلست بجوار جدي.. سمعته يغني لي في نومه.. و يداعب شعري كما كان قبل عشرين عاما من اليوم.
تأملته و هو يغط في نوم عميق.. أنفاسه البحر في أوج سلامه.. آآآخ كم أتعبني نومه. نظرت للحياة خارج النافذة..غبار يحط على سطوح المنازل..أقفاص حمام آيلة للخريف..أبرز ما لفتني قبة مسجد الإمام الصادق (ع) الزرقاء.. وجهت قلبي نحوها.. خاطبتها بحق النور الذي تشع رغما عن كل هذا الغبار.. أوصيتها برسالتي إلى الله.
جلست مجددا.. لا صوت إلا طنين الآلات التي ثبتتها الممرضة بقلب المريض المجاور لجدي.. مريض طاعنُ في السن..ينام و يصحو مجددا و كلما استيقظ ينادي بأعلى صوته: خديجة ..خديجة تعالي... (وينش)؟.. و كأنما خديجة حلقت للبعيد و لم تلحق بالمسافة!
تكابد الممرضة لتهدئة الوضع: (حجي) خديجة راحت تصلي! فيقتنع، يطمئن..و يغفو مجددا.
جدي لم يكترث بأداء الرجل العجوز و لا بخديجته، واصل حلمه، كان إرث كبير يسكن قلبينا، كان البحر مشاكسا و سيرة الله..الأمر برمته يقين ملكوتي.. أؤمن به بخلاف التأويلات الواقعية.. هو الحلم الذي لا يبارح ظلاله و يديه..
أمسكت يد جدي و داعبت أصابعه .. فتح عينيه و ابتسم لي.. أظنه عرفني..مازلت بذات الوجه الدائري..بذات الابتسامة التي لطالما قدسها..قبل زمن كان يفتح لي الباب عائدة من المدرسة الابتدائية أجر الحقيبة الحمراء بلون خدي و يلقبني بالقندة، سرعان ما أبكي لجهلي بلغة الحب التي كان يختزلها هذا الرجل ..كان يجري خلفي و يخبرني كم أنني قندة..
جدي الذي يرجع بأوان السمك، بابتسامة يهديها و أول من يهديها إليه جدتي الحبيبة التي تزهر الجنة في عيونها كلما أقبل هو، فيحتدم النقاش حول السجائر التي كان يدخنها سرا..مشهد تستعيده السنابس صبيحة العيد.. هو جدي الذي يفهم فلسفة الخشب، و لم يكن ليخطأ في قياساته و اسراره.
يرتكز قلم رصاص صغير خلف إذنه اليمنى ، نشارة الخشب تفترش أرض ورشته، هناك حيث يستهل البداية بخطوط الأمل و بكأس شاي صغير متبوع بمداعبة خشبية!
افلتُ يده سريعا لأنبذ صوت التعب، غطيتها بالملاءة البيضاء.. و منحتها قبلة.. أخرجها مجددا.. و راح يحدق في ارتجافها و في عيني..
سألته: (بابا عود).. فيك شي؟ تتألم؟ أصابعك تألمك؟
أجابني: لا... عطشان... عطشان..
أرجعها مستقرها..لم يكن وقتا مثاليا للبكاء.. كلانا كان يحمل دمعة و حديثا غزيرا بالذكريات...لكننا آثرنا الصمت و تركنا الساحة للنداء القادم من خلف الستارة : خديجة تعالي...








