
ما زلت أتذكر المرة الأولى التي سمعت فيها عن المشروع الوطني للتوظيف، و ما زلت أتذكر أيضا كيف تحمست للفكرة و اعددت عدتي ، جهزت أوراقي و حملت شهادتي المتعبة بين كفي و هرعت للتسجيل بوزارة العمل، تمت الإجراءات مع وجود بعض المنغصات الحتمية التي لا تخلو منها أروقة الوزارات، فبعد مسير عقابي تكبدته تحت لهيب الشمس الحارقة، وصلت أخيرا لمبنى الوزارة و شرعت بعملية التسجيل ، وهنا كانت البداية للمسلسل العذابي الذي تشرف عليه وزارة العمل. مستهل ذاك اليوم كان بوجه إحدى الموظفات بالوزارة التي سألتني سؤالاً تافها: "شنو؟ ..أي جامعة هذي"؟ إنها المرة الأولى التي اسمع فيها عن جامعتكم، أين تقع تلك الجامعة؟ و متى وُجدت بالبحرين؟
و كوني (ميتة من الحر) لم أشأ أن أثر جلبة كبيرة ، حافظت على هدوئي و سلامي ، لم أدخل معها في تفاصيل أخرى، و لكن بإعتقادي إن أضعف الإيمان يكمن بوجود ثقافة متواضعة لدى تلك الموظفة، أو على الأقل خلفية بسيطة عن الجامعات الخاصة الموجودة في البلد،و ضرورة تتبع الوزارة و تزويد موظفيها بأسماء الجامعات الخاصة الجديدة المعترف بها محليا و عالميا - يعني (لستة) بأسماء الجامعات برأيي لن تضر بقدر ما ستنفع. بعدها، أخذت نفس عميق و قلت لنفسي: " يالله ماعليش صيري طيبة يا حليوة و اخزي بليس". فبعد ما انتهت الموظفة من جردة الأسئلة التافهة ، ارشدتني لتسعين مليون شخص، و يومها أخذت جولة استكشافية ، ترفيهية في مبنى وزارة العمل و تعرفت من خلالها على طاقم العمل و طبيعة سيره و وجوه الموظفين الأفاضل. حتى استهلكت قواي و متُ جوعا.

خريف
سراب
أما عن الأحلام و الطموحات بآخر سنة جامعة فبعضها كان:
-
الحصول على منصب جليل في أحد البنوك التجارية أو الإستثمارية في البحرين
-
الشعور بكياني و بأهمية وجودي و بأنني مخلوق مُنتج على هذه الأرض
-
القدرة على العطاء ضمن جو مريح
-
الإستقلال، و تعزيز مبدأ الشخصية المستقلة ماديا و توديع مبدأ ( الخرجية) " و عطني يا أبوي بيزاات"
-
الإستيقاظ مبكرا و الالتزام بعمل كباقي البشر و الناس، و الرجوع متعبة و "الإنخماد" مبكرا أيضا
-
قرضة من البنك وشراء سيارة (انفينيتي جيب)

كلها "فشش" تبخرث و بصورة كثيفة و معظمها اتخذ منحا آخرا، فلا قطاع بنكي بعد الآن ،و توجهاتي الأولية تغيرت كرها و إجبارا و لم يكن قرار البطالة إختياريا في يوم من الأيام.
ضياع
موجزا مختصرا لبعض الأحداث الدراماتيكية التي حدثت لي عندما حضرت المقابلات و الإمتحانات التابعة للوزارة:
*يوم ذهبت لوزاة الصناعة و التجارة ، حدد لي موعدا بأن تكون مقابلتي بتمام الساعة الحادية عشرة، و صلت تماما بالموعد المحدد ، فإذا بي أتفاجئ بالحشد البالغ ثلاثمائة عاطل و عاطلة يقفون في إنتظار مقابلاتهم، بعض هؤلاء قيل لهم مقابلاتكم ستكون بالتاسعة صباحا و لكنهم لم يدخلوا حتى لحظة وصولي عند الحادية عشرة!! وقفت كثيرا ، و ثرثرت مع إحداهن، اخبرتني بأنها متخرجة منذ عشرة أعوام، لحظتها شعرت بتعب و غثيان شديد، و بأن لا طاقة لي على الوقوف في ذلك المكان أكثر، شعرت برغبة في إستنشاق هواء يبعد أمتارا عن مبنى الوزارة. بعد إنتظار دام حوالي ساعتين... دخلت أخيرا للمقابلة فسألوني : عرفي بنفسك؟ فقط و لا شيء آخر!! حينها تداعت حالة الغثيان أكثر و تملكتني رغبة بتكسير كعب حذائي على رأس من طرح السؤال.
*أما عندما ذهبت لوزارة المواصلات، ركنت سيارتي بموقف فندق (الكراون بلازا)، و رحت أمشي أمتارا وصولا للوزارة، ظللت رأسي يومها بشهادتي و بضعة أوراق كنت قد حملتها بيدي. جلست أيضا لساعتين ، بعدها أطل علينا أحدهم مخبرا بأن من سيقابلكم ذاهبا لإجتماع و بأنه لن يتمكن مقابلتكم هذا اليوم، هو يعتذر منكم و يمكنكم الحضور غدا بنفس الوقت. حتى تقف تداعيات المسلسل لدى معرض المهن الأخير المقام بمدرسة الدراز الإبتدائية للبنات و الذي يتطلب تدوينة خاصة لعمق المأساة الكامنة فيه!
خلاص
(رفعت الأقلام و جفت الصحف) و لم يتصل بي أحدا بعدها، يا ترى أين يكمن العيب برأيكم؟
بشهادتي
بتفوقي
بمعدلي
بلغتي الأنجليزية
ببحرينيتي
بالنفوس
بالضمائر؟؟؟؟
قران
رفيقتي الأغلى لها من العمر عامين
اسميتها (البطالة)، كل عام و أنت ممسكة بيدي
و لتوفري يا وزارة النحس ثمن (سونامي) الإتصالات العديمة النفع.
ثرثرة
لا يهم، لأنني بحرينية أباً عن جد
لا يهم، لأنني ثابرت و اجتهدت في سبيل الحصول على هذه الدرجة من النجاح و التفوق
لا يهم، لأحلامي التي لها أن تذهب للجحيم
لا يهم، إن لم أحقق حلم خدمة الوطن الذي لطالما تصدر أحلامي الخجولة
لا يهم، إن أصبت بإحباط و دورات إكتئاب زاد خلالها وزني خمسة كيلوغرامات و أكثر
.jpg)




















احس بالغصة والاختناق !



من البحرين
الله يعين يا ملاذ
كنت في حالة عاطلة لمدة سنة تقريبا وقربت أستخف، حالة اكتئاب شاملة.. الله يعين، هذا واحنا بنات عجل الشباب وش يسوون؟
بس اللي بقوله خلي الأمل بالله، وان شاء الله تلقين وظيفة، وترى أحيانا لازم تتنازلين لفترة بسيطة عشان تحققين اللي تبغينه، يعني لو لقيتين وظيفة متواضعة او مو بالضبط تناسب تخصصك حاولي تستخدمينها كأوكسجين طواريء لحد ما تلاقين اللي يناسبك. الله كريم.