
كان كلما وقع نظري على مقالة تتحدث عن (حوام) أشحت به منتظرة أن أقرأ الرواية بنفسي قبل تنفس ردود الأفعال و التحليلات المكتوبة هنا و هناك..دون عن حوام كل من الاشقاء: سعاد الخواجة، حسين عبد علي، مهدي سلمان و آخرون.. لكنني تجنبت القراءة حتى حطت حوام بيدي و حلقت و إياها حيث الفتنة، الغواية، الحب، سيرة الجمال و رائحة الحمام. مقررة بذلك أن أتبع الرواية بقراءة المقالات المكتوبة في حوام.

فتنة...
حوام التي كتبها محروسنا ما بين فبراير 2007 و فبراير 2008 تقع مابين مائتي و ستة عشر صفحة.. يدفئها غلاف نابع من ضوء و ظلال حسين محروس، بإلتقاطته الموفقة لمريم التي تخطو وصولا لسطح بيت الحجي سلمان" الكراني" حافية القدمين، واثقة تكاد تبصر جمالها من قدميها و خلخاليها المنسدلين على كعبيها، تصعد برفق كما الحمام عتبات بحرينية طينية متهشمة، تتشح ب(مشمر) برتقالي يداعب بياض رجليها، له أطراف غير متساوية قد اتخذت شكلا إنسيابيا دائريا حولها . حوام من تلفحك بهواها و تشعرك بالريح التي تدغدغ رجليها و هي في صعود..
اتممت الرواية خلال يوم واحد أو ربما أقل.. كتبها حسين محروس بلغة سلسة جدا ، بالغة القرب من القلب،تقرأها و تنبض و إياها كل حواسك. لكنني سرعان ما وقعت في فخاخ المقارنة ما بينها و بين الرواية السابقة لمحروس (قندة) و التي كنت قد قرأتها قبيل شهورٍ من الآن.. إذ إنني شعرت بأن ثمة ما يقبع مابين التشابه أو التكرار إن صح التعبير في بعض الجوانب الأدبية من (حوام) سيما اللغة المستعملة حتى و إن قنن محروس هاهنا من تقنية التعشيق بالألفاظ المحلية (العامية) و التعبيرات الشعرية المجازية التي دأب على التغني بها بين طيات قندة. التشابه أيضا قد يكمن في أن محروس كتب هذه المرة عن قصة بحرينية ،منشأها بيت بحريني قروي أبطالها، شخوصها بحرينيون بإمتياز، إن كانوا بشرا أو حماما! تماما كقندة التي جرت أحداثها في " قرية النعيم".. ما يقوقع الروايتين بإطار ذاتية المكان.

محروسيات...
لكل روائي ثمة صبغة خاصة به، تميز لغته عن الآخرين و هذا ما تشعر به حتما حين تقرأ حسين محروس القادر على صياغة العبارات بسيطة، معقدة في آن واحد، يعقدها العمق الذي يسكنها..، "المسافة جوع..المسافة رغبة..المسافة عشق.. المسافة أيضا أنت"... ناهيك عن تكوينها الذي تتخلله جمل بحرينية بحتة و مضحكة جدا كأن يقول" وصلاة أمي و أبوي".. إلى جانب إدخال بعض الموروثات الشعبية البحرينية و الاغاني القديمة التي تكاد تنقرض، هذا إذا ما إنقرضت أصلا "نصايف الليل... الناس عني لي غفت في وهدة الليل ... نصايف الليل..هلا ..هلا".
هي الصبغة (المحروسية) التي يتفرد بها و يفرضها على القارئ "بحب"..حسين هذا الذي تملك قلبه قرى البحرين، و أهل البحرين و تفاصيلها بطغيان كبير.. و تلتمس هذا في أروقة ما كتب و ما يكتب على الدوام، البحرين تسكن عدسة حسين، الوجوه النابضة بصوره، الحياة التي تذب بكلماته كلها بحرينية.
جدل...
بالرجوع لقندة مجددا و التي لا أنفك أقارن بينها و حوام..أحيانا أشعر بأن حوام تشكل تتمة غير مباشرة لقندة التي دارت حول الجهل بهندسة الجسد الأنثوي و هو ما تلاشى جدا في حوام، بل و بلغ أقصى أقصاه هاهنا. حيث أن حوام مشبعة لحد كبير بالرغبة و تفاصيل تفاصيل الجسد، محروس أعطى كل نزوة من نزوات مريم حقها بزيادة بلغت حد الإنغماس، هو إبتعد أميالا طويلة في الحديث عن الرغبة، و أسهب فيها مطولا و صور كل شخوص الرواية بأنها تلهث خلف أهوائها و غرائزها و تبحث عن التوزيع الصحيح.. و أنه لابد من تلك الحتمية التي تقتضي ضرورة تبديل الأماكن لترفرف الأجنحة و يتناثر الريش!
حوام تضخ من قرية كرانة البحرينية القديمة، الأمر الذي قد يولد علامات إستفهام للقارئ العربي الذي يقع بالجانب الآخر من الخريطة. أنا البحرينية اجد متعة في قراءة الروايات البحرينية التي تتفتق عن (حوش) البيت البحريني و أروقة
(الفرجان)، لكن الأخير قد يشعر "بتيه" في هذا الجانب.
ثمة شيء آخر أثار تساؤلي و هو عامل (الزمن) بالرواية.. و كيف إن محروس قد مزج مابين الأزمنة مستشهدا بحقبة (لسناحات) (و الزري) و مرايا العرس البحريني المطرزة بالرمان و الطواويس، ختان الإناث، معرجا على إنفلونزا الطيور، و ثورة الخميني و الإعتقالات العشوائية. كلها عنوانين تقع بين سنوات متباينة. رغم إنني أؤومن بأنه تعمد ذلك و بأن هذا ليس ناتجا عن غفلة منه لكن التبرير يقع بفكر المحروس وحده.

سحر مريم...
عجيب امرها..و لا يختلف إثنان على كونها خائنة، عاهرة، لعوب، "حوامة"، لكنني أقر بأنني لم أستطع كرهها و إن جاءت خارقة للأعراف و التقاليد البحرينية، هنا و بالتحديد يكمن إبداع محروس لأنه لم يحملنا على كره مريم الخائنة، لعله جمالها الذي أجاد رسمه و التفنن به بين سطور الروايه، لعله" مشمرها" الآسر، لعلها خبثها، كيدها، حسنها، قوة شخصيتها، حوام يا جماعة: " حبة القلب، وجه الصباح، تجلس بجوارها فلا تشعر بعطش و لا جوع"..لا أعرف؟.. سوى أنك إلا ما تحبها.
مريم آخاذة لأنها "على وشك من أي شيء"!!
هديل...
أكثر ما أحببت ب (حوام).. المفهوم الإبداعي الذي زرعه محروس بداخلي حول الحمام، أجزم بإبداعه في هذا المجال على وجه الخصوص، هو يستطيع و بجدارة أن يبتدع مفاهيم جديدة ليست على البال و لا على الخاطر.. محروس هو من صور القند نساء.. فصار القند غير القند، و الشاي بالقند (غير شكل). و هو أيضا من خلق مفهوم أن الحمام (نسوان).. قائلا مرارا على لسان زكريا: (الحمام نسوان يا جماعة)!
عشق...
و الحق يقال..
بعد قراءة حوام محروس.. لم أعد أرى الحمام المتكأ على (برندة) بيت جدي بقدر ما صرت أبصره اليوم..بمعنى أبصره.... قبلا لم يلفت حماما نظري البتة، لكنني اليوم ما أن تستوقفني حمامة أتقرب إليها بهدوء أنظر بعينيها، روحها و أضحك!!
محروس.. ولد عندي فضول بإقتحام أقفاص الحمام و فهم نظريات محروس تجاههم..و لأنني بت أدرك اليوم بأن بكل قفص حمام ترفرف (مريم)!

رواية حوام....تحوم حول الجسد..الروح.. العشق.. الشهوة....حوام كلها مريم، و مريم كلها حمام!
تحوم حول الأمكنة.. تجوب الأروقة..تنثر الريش.. لتحط في المكان الصحيح الذي أبى له محروس أن يتحقق..
"حوام" رواية جميلة، لمبدع بحريني، سجلت وجهة نظري المتواضعة فيها، حللتها برأيي الخجول و بحثت عن المفترق فيها، بحثت عن مراد و هدف حسين محروس من خلالها.. ..وولدت عندي سؤالات شتى و إبتسامات، صور قروية مازالت تحوم بداخلي..
مفترق...
تساؤلي الأساسي كان فيما يتعلق بعبرة الرواية.. الأمر الذي قد لا يتفق الكثيرين و إياي فيه بأن لاضرورة من إقحام العبرة..كمفهوم كلاسيكي و قديم للرواية، لكن ما أرمي إليه هاهنا ليس كون العبرة بأن تأت مملة رتيبة كأن ينتصر الخير على الشر، و تنار الاضواء و يمسك العريس بيد عروسه و يعيشون في ثبات و نبات و يتوب الخلق توبة نصوحة..ليس القصد أن تأت النهاية نبيلة أو دنيئة..قطعا لا.. الرواية.. وأي رواية إلا ما تحمل عبرة ذائبة فيها تماما كما السكر الغائب في الشاي.. في حوام أرهقتني مسألة التفكير في غاية أولى من الرواية.
هو رأيي..ليس إلا..و أرجو بأن لا يعكس هذا الرأي فكرة مفادها بأنني أحاكم المحروس في منهجية تفكيره و مستوى تدينه..فأنني لست من يقيم المحروس على هذا الأساس !
المحروس تحرك بحرية عبر أوراقه و تعمق بعنف في الجسد، ما يجعل روايته محط نقد مجتمعي، ديني، توجهي، قيمي.. قد يتخذه البعض محورا أساسيا للإنتقاد و يجعل منه أداة نقدية في تحليل الرواية، وهو ما لا ألجأ إليه عند تكوين نظرة تجاه أي رواية كانت.
مطر...
للمحروس تحايا النهار.... و فصل شغف لمفهوم جديد يحمله إلينا مجنون "كإياك"

لقراءة ما كُتب في حوام إنقروا هنا:
سعاد الخواجة بهذيانها:
الفنان حسين عبدعلي:
جريدة الوقت... حسام أبو اصبع:
جريدة الوسط... علي نجيب: